أبي بكر جابر الجزائري

78

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

تتحرك أو تميد بأهلها فيهلكوا ، وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ « 1 » أي مقدر معلوم المقدار لله تعالى . وقوله : وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ « 2 » عليها تعيشون وهي أنواع الحبوب والثمار وغيرها ، وقوله : وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ « 3 » بل اللّه تعالى هو الذي يرزقه وإياكم من العبيد والإماء والبهائم . وقوله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ « 4 » إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ أي ما من شيء نافع للبشرية هي في حاجة إليه لقوام حياتها عليه إلا عند اللّه خزائنه ، ومن ذلك الأمطار ، لكن ينزله بقدر معلوم حسب حاجة المخلوقات وما تتوقف عليه مصالحها ، وهو كقوله : بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وكقوله : وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ وقوله : وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ « 5 » أي تلقح السحاب فتمتلئ ماء ، فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بقدرتنا وتدبيرنا فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ أي لا تملكون خزائنه فتمنعونه من تشاءون وتعطونه من تشاءون بل اللّه تعالى هو المالك لذلك ، فينزله على أرض قوم ويمنعه آخرين . وقوله : إِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ ، وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ « 6 » مِنْكُمْ أي الذين ماتوا من لدن آدم وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ممن هم أحياء ومن لم يوجدوا وسيوجدون ويموتون إلى يوم القيامة ، الجميع علمهم اللّه ، وغيره لا يعلم فلذا استحق العبادة وغيره لا يستحقها . وقوله وَإِنَّ رَبَّكَ أيها الرسول هُوَ يَحْشُرُهُمْ أي إليه يوم القيامة ليحاسبهم ويجازيهم ، وهذا متوقف على القدرة والحكمة والعلم ، والذي أحياهم ثم أماتهم قادر على إحيائهم مرة أخرى والذي علمهم قبل خلقهم وعلمهم بعد خلقهم

--> ( 1 ) قال : مَوْزُونٍ : لأنّ الوزن يعرف به مقدار الشيء ، والموزون من الكلام وغيره الخالي من النقص والزيادة ، والمراد أنّ ما أنبته اللّه تعالى في الأرض من سائر النباتات والمعادن من الذهب والفضة والنحاس والرصاص والقصدير حتى الزرنيخ والكحل كل ذلك يكال ويوزن . ( 2 ) واحد المعايش : معيشة ، وهي المطاعم والمشارب والملابس والمراكب أيضا ، إذ كل هذا يدخل تحت العيش حتى قيل : المعايش : إنها التصرف في أسباب الرزق مدّة الحياة . ( 3 ) الرزق : بفتح الراء مصدر رزقه يرزقه رزقا ، والرّزق بكسر الراء فهو الاسم وهو القوت . ( 4 ) أي : نافع للناس لا مطلق الأشياء التي لا نفع للناس فيها . ( 5 ) في قوله : وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ استدلال بظاهرة كرة الهواء بين السماء والأرض بعد الاستدلال بالسماء والأرض ، ولواقح حال من الرياح ولواقح صالح لأن يكون جمع لاقح ، وهي الناقة الحبلى أو ملقح وهو الذي يجعل غيره لاقحا . ( 6 ) ويدخل في معنى الآية المستقدمين في الطاعة والخير ، والمستأخرين في المعصية والشر كما يدخل أيضا المستقدمين في صفوف الحرب والصلاة ، والمستأخرين في ذلك ، والآية دليل على فضل السبق في الخير وعلى فضل الصف الأول في القتال والصلاة ، وفي الحديث الصحيح : ( لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ) .